الفلاتر الإعلامية الثلاث..!؟

news-media-standards

مئات الأخبار والمواضيع التي تصل هواتفنا كل يوم عبر الواتساب بل تصل أحيانا للآلاف، ومثلها تغريدات تظهر على حساباتنا في تويتر، والعديد من الرسائل البريدية، ومقاطع لا تنتهي في السناب-شات وأخرى على صفحة الفيسبوك، ومثلها على الباث..

أجزم بأننا وصلنا لعصر متخم بالمعلومات وهذا خلاف ماكان عليه الحال قبل 5 سنوات من الآن، اصبحت المعلومة متوفرة بشكل مبالغ فيه جدا، فجُلنا لا يجد الوقت لمتابعتها والإطلاع عليها فضلا عن قراءتها والتعليق عليها، لذا أصبحنا نعيش بالفعل عصر تخمة المعلومات.

الإشكالية ليست فقط في الحجم الضخم من هذه المعلومات التي تصلنا فحسب، بل بمصداقية تلك الأخبار وموثوقيتها من عدمها وهل هي صحيحة أو لا، والعامل الثاني الذي لا يقل أهمية هو في كون تلك المعلومات ليست في دائرة الاهتمام بل إن أغلب المعلومات التي تصلنا عبر الواتساب وغيرها من الوسائل هي باختصار “مضيعة للوقت”!

لذا أصبح امام الجهات الإعلامية ثلاثة تحديات مهمة في هذا العصر، أولا في آلية التحقق من مصداقيتها، والأمر الثاني في تصنيفها وفرزها، والتحدي الثالث في إعادة صياغة المحتوى واختصارها وتقنينها.

المهمة الأولى وهي تتعلق في كيفية التحقق من مصداقية الخبر، وتعتبر من أصعب المهام بل وتستحق أن يفرد لها مقال مستقل، وأول ركائزها هو التحقق من مصادر الاخبار، فالتحليل المنطقي يقوم على اعمال التأكيد والنفي والشك الذي يركز على تحري المصادر والمعلومات ثم فحصها بين القبول والرفض وهذا يعتمد على معطيات ثقافية وتعليمية ومعرفية وقانونية لدى الصحفي.

وأكثر عامل ضرّ في المصداقية لدى الجهات الإعلامية هو الركض نحو السبق الصحفي، خصوصا في مجتمع إعلامي ينافس على الوقت كعامل للتميز، بالإضافة إلى الترويج بإسلوب الإثارة والمبالغة والتي تكون بالغالب على حساب المصداقية.

الأمر الآخر هو في تصنيف تلك المواد، وهو لا يقل أهمية عن سابقه، فليس من الطبيعي أن تضيع وقتك في تصفح مئات المواد التي ليست من ضمن قائمة اهتمامك، فالآن نحن نعيش عصر السرعة، يفترض أن تكون المواد التي تصلك هي بالفعل في دائرة اهمامك وضمن التصنيفات التي ترغبها.

ويجب أن يكون تصنيف الأخبار ومتابعتها من خلال لوائح لمواضيع محدّدة (مواد محلية، شؤون دولية، اخبار رياضية، أدب وثقافة، فنون…)، أو على دول ومنطقة جغرافيّة، أو حسب أحداث معينة (متابعة سوريا، أحداث اليمن..)

فكل ما زاد تنظيم المحتوى وفق تصنيفات وتقسيمات محددة وواضحة، كل ماوفرت على القاريء الكثير من الوقت في سرعة الوصول إلى المعلومة التي يرغبها، وبالتالي زيادة في الشعبية، وبالتالي تحقيق نجاح أكبر.

وبالمناسبة، لو تم التركيز على مجال واحد وترك ماسواه، لكان النجاح حليفه، ولايكون ذلك الا بالتخصص والتخلص من “وهم الشمولية”

أما التحدي الثالث وهو في إعادة صياغة المحتوى واختصارها وتقنينها، فالوسائل الإعلامية لا تتوقف وتتغير وبالتالي تتغير معها الصياغة المناسبة لها، فبالتأكيد أن صياغة مادة لتويتر تختلف عن الفيسبوك وتختلف عن انستقرام، كل منها له طبيعته وله نوعية خاصة من الشرائح المستهدفة.

في زمن الصحافة الورقية كان من الطبيعي أن يتجاوز الخبر حاجز 500 كلمة بل قد يصل إلى 1000 كلمة، أما الآن إذا تجاوز 150 كلمة صنف انه حشو لا فائدة منه، كذلك طبيعة المتلقي تغيرت وزادت سرعة، لذا أصبح الإختصار والتقنين هو الهدف.

لذا أصبحت المواد تعتمد على ثلاث نقاط العنوان الموجز المختصر، والمحتوى المباشر باستخدام جمل قصيرة وبدون تفاصيل ثانوية، والنقطة الثالثة هي المعلومات الداعمة سواء كانت نصية أو صور أو مشاهد مرئية.

ختاما، تجاوز التحديات الثلاث السابقة ليست وحدها تضمن نجاح المشروع الإعلامي، بل هي حل لإشكاليات فرضها الواقع الحالي وسلوك الناس، ولكن لا ننس ان هناك عوامل مهمة مثل سرعة اصطياد الخبر، ومهارات ابتكار المواد، وتفعيل الحس الإعلامي، وهي العوامل التي تعزز من نجاح هذه المشاريع الإعلامية.

كيف ينجح الإعلام لدينا؟

Newsroom2

كان لي شرف المشاركة ضمن جولة مركز الملك سلمان للشباب إلى أميركا هذا العام، وهي ضمن برامج المركز الرائدة التي تهدف إلى زيادة وعي الشباب ورفع مستوى المعرفة لديهم، من خلال الاطلاع على التجارب العالمية وتبادل الخبرات مع صناع القرار وأصحاب المراكز القيادية.

في حقيقة الأمر، فوائد رائعة وخبرات مميزة لا تحصى اكتسبناها خلال هذه الجولة والجهات التي زرناها واجتمعنا معها، ولكن سأركز في هذا المقال على (المكتسبات) التي خرجت بها من زيارتنا للجهات الإعلامية تحديدا وهو محور اهتمامي.

أول اسرار النجاح هو (التخصص)، بالفعل وكانت متمثلة في The Weather Channel وهي أولى الجهات الإعلامية التي زرناها في مدينة اتلانتا، فهي عبارة عن قناة اميركية شهيرة ومتخصصة في متابعة توقعات الطقس والأخبار وما يتعلق بها، وبالرغم من تخصصها في مجال واحد فقط إلا أن عدد المشتركين في ازدياد مضطرد حيث تجاوز 97 مليون اشتراك في خدمة التلفزيون المدفوع حسب آخر احصائية في فبراير 2015 ويعتبر هو الأعلى على مستوى الولايات المتحدة الأميركية.

هذا التخصص فتح لهم المجال في التميز والتركيز على الهدف، فهي تقدم البرامج الوثائقية وكل ماله صلة بالطقس، من خلال آلاف الموظفين والمراسلين حول العالم، وتوفير هذا المحتوى عبر كل المنصات المتاحة من قنوات تلفزيونية وإذاعات مسموعة وصحافة مقروءة ومواقع ويب وشبكات اجتماعية.

خلال الجولة مع فريق طاقمهم شاهدنا العديد من الجهات المشتركة بخدماتهم والتي تقدم ب 22 لغة وبأفكار مبتكرة، وكيف يقومون بتحليل البيانات واستخراج المعلومات بشكل يفيد الشركات الزراعية وشركات الملاحة وحتى شركات التجزئة والتأمين للتأكد من بعض القضايا المتعلقة بالطقس بالأضرار الناجمة عنها.

وفي سؤال وجهته لمدير منصة البيانات الإلكترونية ايلي فيتيبليس عن نيتهم في التوسع في مجالات أخرى خصوصا أنهم يملكون استوديوهات ضخمة جدا ومراسلين في كل دول العالم واكبر عدد من الاشتراكات في أميركا؟ ذكر بحدّة أن نجاحنا محدد في هذا المجال، ونهدف بأن كل شخص في العالم يعتمد علينا في متابعة الطقس.

ويأتي ثانيا استخدام مبدأ التجميع News Aggregator ليكون أهم عامل في نجاح المشاريع الإلكترونية الإعلامية، وفكرته من خلال تجميع المحتوى من عدة مصادر في موقع واحد ومكان واحد وفرزها حسب الأهمية ومصنفة حسب مجالات تلك المواد، مما يختصر وقت القارئ في متابعتها.

وهذا المبدأ هو سر نجاح صحيفة هافينغتون بوست الشهيرة Huffington Post، فهي تعتمد على سياسة التجميع من خلال مقالات المدونين ومصادر المعلومات، فبالرغم من أن عدد موظفيها لا يصل ل 700 موظف إلا أنها تجاوزت جميع الصحف الإلكترونية على مستوى العالم.

وتعتقد “أريانا” مؤسسة هذه الصحيفة أن اعادة تنظيم المعلومة هو أهم من صناعة المعلومة، لذا أوجدت نظاما لكسب وتجميع المحتوى من مصادر موثوقه ومن مدونين لهم مصداقية وتأثير، ومن ثم اعادة عرضه بأسلوب شيق مما أدى إلى نمو مطرد في حجم الزوار وبتسع لغات حتى الآن، واللغة العربية خلال أشهر.

أما المبدأ الثالث هو العمل للمحتوى وليس للوسيلة، وهذا المبدأ هو الذي يجعل المؤسسة الإعلامية تستمر في ظل تغير الوسائل الإعلامية وتنوعها الهائل، وهذا ما أكده لنا القائمون على مجموعة قنوات NBC.

فخلال جولتنا في صالات التحرير تبين لنا بالفعل أنهم يعملون في غرف أخبار متكاملة Integrated Newsroom لاصطياد الأخبار والمواد التحريرية من كافة المصادر الممكنة ثم تتحول لغرفة الأخبار متعددة الوسائط Multi-Media Newsroom لإعادة تخصيص المواد لكل وسيلة وجهة اخبارية.

ونفس المبدأ أكد عليه نائب الرئيس لقناة CNN مايك مكارثي، حيث ذكر أنهم يبثون موادهم الإعلامية في جميع الوسائل الممكنة وبأسرع وقت ممكن وعبر كافة الشبكات الاجتماعية حتى لو لم يقتنعوا بالوسيلة وبجدواها، فهم لا يعملون من أجل القناة ولكن من أجل المحتوى.

بهذا الأسلوب وبهذه الطريقة لن يقتصر اعتماد المؤسسات الصحفية على مستقبل الورق ولا القنوات على توجهات الناس في متابعة التلفزيون ومثلها الإذاعة، فلا تحكمها الوسيلة، بل سيصبح المحتوى فقط هو من يحدد مصير المؤسسة الإعلامية.