للأسف.. الإعلام لا يديره إعلاميون!

newspaper-room-print-cc

أصبحت وسائل الإعلام من مؤسسات صحافية، وقنوات فضائية، وأخرى إذاعية، تعيش مأساة حقيقية، و”كارثة” بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، فعصب استمرار تلك الوسائل هي الموارد المالية ولا شيء سواها، فهي تتكفل بدفع رواتب العاملين واستقطاب الكفاءات والتسويق والانتشار والتطوير.

وبالرغم من كون أغلب مسيّري وسائل الإعلام على علم ودراية بهذا التحول، فهم يعايشون تناقص الأرباح عاما بعد عام ويتابعون التغيرات الكبيرة التي نشهدها، ولكن على يقين تام بأنهم لم يتوقعوها أن تحدث بهذا الشكل المتسارع، فالتناقص الحاد أصبح يزداد بشكل مضطرد! بل وسريع جداً.

رواد الإعلام الإلكتروني ومشاهير التواصل الاجتماعي أو كما يحبوا أن يطلقوا على أنفسهم “المؤثرين”، هم أكثر الناس فرحاً بما يحدث، لأنه ببساطة انتقال “سلطة الإعلام” من تلك المؤسسات لتتحول لهم، وتصبح بين أيديهم، ليكونوا هم المهيمنين على كعكة الإعلام ويصبحوا من أصحاب الحظوة الأكبر، ويصبح الإعلام أكثر نضجاً وازدهارا.

ولكن الواقع يقول غير ذلك، ففي الحقيقة أن هذا الإعلام انتقل من هيمنة “الإعلاميين” إلى “أشخاص” أو جهات بعيدة تمام البعد عن الإعلام! وهذه الجهات هي من تدير واقع الإعلام، وهي من تستحدث وسائله، وتخترع قوالبه، وترسم سياساته المستقبلية، بالرغم من كونها ليست جهات إعلامية إلا أنها تجبر الإعلاميون على الانصياع لتوجهاتها.

التقنيون، نعم بالفعل “التقنيون” فهم الذين اخترعوا الفيسبوك بخدماته المختلفة، وتويتر بقوالبها المختصرة، وانستقرام بصورها المربعة، واليوتيوب ومقاطعه الوفيرة، وسناب-شات بآليات نشره العجيبة. هم “التقنيون” الذين أجبروا الإعلاميون أن يسايروهم، وأن يحذوا حذوهم، بل كسّروا كل قواعدهم الإعلامية التي تعلموها خلال عشرات السنين الماضية، واخترعوا لهم قوالب حسب أهوائهم!

قالب الهرم المقلوب، وأساليب الرواية، والقصة الخبرية، والفيتشر الصحافي، وجميع فنون الصحافة والإعلام.. في الحقيقة لا تشكل لدى الشركات التقنية أي اهتمام إطلاقا، ولا يعيرونها أي اهتمام! فهم -التقنيون- وعلى سبيل المثال تكرموا بمساحة 140 حرف على منصة تويتر أو تكرّموا علينا بزيادته لـ 280، وأتاحوا إمكانية رفع صور في الانستقرام، ومثل ذلك في بقية المواقع والشبكات الاجتماعية وعلى نفس الوتيرة.

الأمر لم يقف عند كسر القوالب الصحافية، بل تجاوز ذلك إلى وضع آليات خاصة بهم في الإعلان، فبعدما كان مدراء المؤسسات الإعلامية يتحكمون بسوق الإعلانات الإعلامية من تلقاء أنفسهم.. وتحديد أسعارها وأشكالها وأوقاتها، أصبحوا تابعين ومُسيرين، يقتاتون على الهوامش، من اليوتيوب تارة، ومن الفيس بوك ومن إعلانات قوقل “الآدسنس” تارة أخرى، ويكتفون بمبالغ لا تسمن ولا تغني من جوع!

أقول من جديد أن عصب استمرار تلك الوسائل هي الموارد المالية، فإذا كان لدى المؤسسات الإعلامية رغبة في الاستمرار وروحاً للمنافسة، فيجب أن يدخلوا تحدي أحلاهما مرّ، إما أن يرضوا بهذا الهامش المالي البسيط ويعيشون على ما تبقى لهم من فئة قليلة من المعلنين الذين يعيشون على ذكريات الماضي ويتناقص عددهم يوماً بعد يوم، أو أن يبادروا للمنافسة مع الشركات التقنية بكل ما أوتوا من قوة، لتتحول مؤسساتهم الإعلامية إلى شركات تقنية، ليصنعوا قوالبهم، ويضعوا آلياتهم الإعلانية من تلقاء أنفسهم!

 

إلى اين تقودنا التقنية؟

mc-social-media-in-newsroom

المتتبع لواقع هذا الإعلام يجد أنه يُقاد بضم الياء ولا يقود، فهو مُسير وليس مُخير، كل ذلك بفعل التقنية، فالوسائط التقنية هي من تصنع القوالب الإعلامية بمختلف اشكالها وبكل انماط محتواها، فمن كان يتوقع انه يمكن صناعة ونشر مادة اعلامية بأقل من 15 كلمة وبالتحديد 140 حرف فقط.

والإشكالية الأكبر التي تؤرق الإعلاميين هو التحول السريع بين كل بيئة وأخرى فلم نلبث لنضع اسس اعلامية للتعامل مع الفيسبوك وقوالبه المتعددة، حتى ظهر تويتر باسلوبه المختصر، مرورا بانستقرام الذي يعتمد على صورا وتعليقات مقتضبة، وأخيرا سناب-شات المهيمن حاليا على سطوة المنافسة.

اسئلة كثيرة تدور لدى العاملين في الوسط الإعلامي، أين ذهبت عناصر المادة الإعلامية التي تعلمناها؟ وأين هي اجزاء الخبر الصحفى؟ ولماذا اختفت خصائص المواد الإخبارية؟ هل طمست بسبب سطوة التقنية؟ والسؤال الأكبر – والأهم من وجهة نظري – كيف يمكن ضبط اخلاقيات المهنة في ظل الفوضى التي تعيشها شبكات التواصل الإجتماعية وفضاء الإنترنت الذي لا يفرق بين الغث والسمين؟

مؤخرا ظهر تطبيق يطلق عليه Beme يسمح بالتقاط 4 ثوان فقط حد أقصى ولا يسمح بمشاهدة المقطع إلا بعد نشره! ويتم التسجيل عندما تضعه على صدرك لتستمع بمشاهدة اللحظة التي توثقها بدلا من مشاهدة شاشة الجوال، طبعا فكرته انه يستخدم الحساس الموجود بالقرب من عدسة التصوير الكاميرا الأمامية كزر التسجيل عندما تقوم بتغطيته.

اربع ثوان لا تكفي للتفوه بكلمة فضلا عن توثيق الأحداث والتواصل مع الأخرين، ولكن اتذكر ان هذا الشعور خاجلني في بدايات السناب-شات بثوانه العشر، ومع ذلك نجح وسحب معه الجهات الإعلامية لتأتي مكرهة وتصنع قوالبها حسب ماتريد، لأعود إلى عنوان المقال متسائلا، إلى اين تقودنا التقنية؟

غرفة أخبار مفيدة جدا للجهات الإعلامية

FireShot Capture - NewsWhip - A human signal of what matters right now. - http___www.newswhip.com_

زيارة مقر هافنتقون بوست في نيويورك

أول دليل تدريبي للصحافة الاستقصائية