الإعلام.. مهنة من لا مهنة له

عبارة قاسية تتردد منذ سنوات، وربما أصبحت من أكثر الأحكام الجاهزة ظلمًا لمهنة لا يعرف كثيرون ما يحدث خلف كواليسها، فالمشهد الذي يراه الناس قد يكون مذيعًا يتحدث أمام الكاميرا، أو تقريرًا مرئيًا في دقائق، أو تغريدة منشورة، أو خبرًا لا تستغرق قراءته أكثر من دقيقة، لكن خلف هذه الدقيقة ساعات من البحث والتحقق والصياغة والمراجعة والتنسيق، وقرارات قد يكون لخطأ صغير فيها أثر أكبر بكثير من حجم الخطأ نفسه.

وربما ساهم الإعلام ذاته في صناعة هذه الصورة النمطية، فقد كانت أبوابه تاريخيًا أكثر انفتاحًا من بعض المهن التي لا يمكن ممارستها إلا بشهادة أو ترخيص محدد، ثم جاءت الشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية لترسخ هذا المفهوم بصورة أكبر، بعدما فتحت المجال للجميع ليكتب ويصور وينشر ويعلق ويصنع جمهورًا، حتى أصبح كل من يملك حسابًا أو بضعة آلاف من المتابعين يعتقد أنه أصبح إعلاميًا وأنه يمتلك الصنعة الإعلامية، واختلط مفهوم “امتلاك منصة” بمفهوم “امتلاك المهنة”، وبينهما مسافة كبيرة، فأن تستطيع النشر لا يعني بالضرورة أنك تمارس المهنة الإعلامية.

والحقيقة أن الإعلام والاتصال اليوم أصبحا من أكثر المهن تعقيدًا واستنزافًا، فالإعلامي لم يعد يعمل وفق دورة خبر تبدأ صباحًا وتنتهي بإغلاق عدد الصحيفة مساءً، بل يعيش داخل دورة اتصال لا تغلق أبوابها أصلًا، خبر في منتصف الليل، أزمة في عطلة نهاية الأسبوع، مقطع ينتشر خلال دقائق، معلومة خاطئة تتسع دائرتها قبل أن يكتمل إعداد الرد عليها، وجمهور لا ينتظر البيان الرسمي بقدر ما ينتظر الإجابة الآن.

وتكشف الأرقام شيئًا من هذا الضغط، ففي دراسة لـMuck Rack عام 2025 شملت أكثر من 430 صحفيًا، قال نصف المشاركين إنهم فكروا في ترك المهنة خلال العام السابق، فيما أفاد 38٪ أن صحتهم النفسية تراجعت خلال الفترة نفسها، وهي أرقام لا تصف مهنة سهلة أو هامشية بقدر ما تكشف حجم الضغوط التي يعيشها العاملون فيها.

جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة من التعقيد، لا ليجعل العمل الإعلامي أسهل كما يتصور البعض، فاليوم يستطيع أي شخص إنتاج نص وصورة وصوت وفيديو خلال دقائق، وأصبحت مهمة الإعلامي لا تقتصر على صناعة المحتوى، بل تشمل التحقق مما إذا كان المحتوى الذي أمامه حقيقيًا أصلًا، وفهم الخوارزميات، وتحليل البيانات، وإدارة السمعة الرقمية، ومراقبة التضليل، والتعامل مع جمهور يتحرك بين عشرات المنصات، وهذا التحول لا يخص الإعلام وحده، فالمنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع تغير نحو 40٪ من المهارات المطلوبة في الوظائف بحلول 2030، مع تصاعد أهمية مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات بالتوازي مع التفكير الإبداعي والمرونة والقدرة على التكيف.

المفارقة أن سهولة الوصول إلى أدوات الإعلام جعلت البعض يعتقد أن الإعلام نفسه أصبح سهلًا، بينما حدث العكس تمامًا، كلما أصبحت أدوات النشر أبسط أصبحت مسؤولية المحترف أصعب، لأن المنافسة لم تعد على السبق فقط، بل على المصداقية والسرعة والانتباه والثقة في الوقت نفسه، والخطأ الذي كان يُصحح في عدد الغد أصبح اليوم لقطة شاشة لا تموت.

لذلك ربما حان الوقت لترسيخ الحقيقة عن الإعلام بكونها “المهنة الأصعب”، فالجميع يستطيع أن ينشر، والجميع يستطيع أن يصور، والجميع يستطيع أن يكتب بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لكن القليل فقط يعرف ماذا ينشر، ومتى ينشر، وكيف يتحقق، ومتى يصمت، وكيف يحمي سمعة مؤسسة بناها الآخرون في سنوات.. وهنا تحديدًا يبدأ الفرق بين من يملك منصة، ومن يملك الصنعة، ومن يمتهن الإعلام.

جريدة الرياض | الإعلام.. مهنة من لا مهنة له

أضف تعليق