الإعلام في 2040.. استشراف للمستقبل (1)

لو عاد إعلامي من عام 2040 إلى يومنا هذا، فربما ستكون أول ملاحظة يقولها لنا أن أكبر خطأ ارتكبناه هو اعتقادنا أن مستقبل الإعلام مرتبط بالقنوات الاتصالية وحدها، بينما الحقيقة أن التحول الأكبر سيحدث في الإنسان نفسه، وفي طريقة تفكيره، وكيفية تلقيه للمعلومات، ومعاييره في الثقة، وآلية تفاعله مع المحتوى، فخلال السنوات الخمس عشرة المقبلة لن تتطور أدوات الإعلام فحسب، بل ستتغير قواعد اللعبة بالكامل، وسيصبح التأثير هو العملة الحقيقية، بينما تتحول المنصات إلى مجرد وسائل تتبدل باستمرار، ويبقى المحتوى القادر على صناعة الأثر هو العنصر الأكثر قيمة.

بدأ هذا المستقبل يتشكل بالفعل، فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تساعد الإعلاميين على كتابة النصوص أو إنتاج الصور ومقاطع الفيديو، بل أصبح شريكاً في صناعة القرار الإعلامي، وتحليل اهتمامات الجمهور، وقياس تفاعلهم، وتخصيص الرسائل بما يتوافق مع اهتمامات كل فرد، وتشير شركة Gartner إلى أن الذكاء الاصطناعي سيصبح خلال السنوات القليلة المقبلة مكوناً أساسياً في معظم المؤسسات الإعلامية، بينما تتوقع PwC أن تتجاوز قيمة سوق الإعلام والترفيه عالمياً 3,5 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام 2029، مدفوعة بالنمو المتسارع في المحتوى الرقمي، والمنصات الذكية، والإعلانات المعتمدة على البيانات.

لكن القفزة الأكبر لن تكون في الذكاء الاصطناعي وحده، بل في البنية التقنية التي ستنقل الإعلام إلى مرحلة جديدة بالكامل، فالجيل السادس للاتصالات 6G، الذي يعمل على تطويره الاتحاد الدولي للاتصالات ITU وعدد من أكبر شركات التقنية في العالم، سيقدم سرعات تفوق الجيل الخامس بعشرات المرات مع زمن استجابة يكاد يلامس الصفر، وهو ما سيجعل نقل الصور المجسمة، والهولوغرام، والتفاعل اللحظي، جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، ولن يعود المؤتمر الصحفي مجرد بث مباشر، بل تجربة يعيشها المتابع داخل منزله وكأنه يقف إلى جوار المتحدث، ويتحاور معه، ويشاهد الحدث من أي زاوية يختارها.

وسيتزامن ذلك مع انتشار تقنيات الواقع الممتد، التي تجمع بين الواقع الافتراضي، والواقع المعزز، والواقع المختلط، لتصبح إحدى أهم أدوات الاتصال الجماهيري، فبدلاً من مشاهدة تقرير عن مشروع تنموي، أو كارثة طبيعية، أو حدث رياضي، سيعيش المتلقي تفاصيله داخل بيئة رقمية تحاكي الواقع بكل أبعاده، لتتحول التجربة الإعلامية من مجرد مشاهدة إلى مشاركة حقيقية، وهو ما سيغير مفهوم صناعة المحتوى كما عرفناه طوال العقود الماضية.

وفي المقابل ستصبح البيانات الضخمة الوقود الحقيقي للإعلام، إذ تشير تقديرات IDC إلى أن حجم البيانات العالمية سيتجاوز 175 زيتابايت، أي ما يعادل 175 مليار تيرابايت، وهو رقم يعكس حجم المعلومات التي سينتجها البشر والأجهزة والمنصات الرقمية، وستكون هذه البيانات قادرة على معرفة ما يفضله كل فرد، ومتى يكون أكثر استعداداً لتلقي الرسالة، وبأي أسلوب سيتفاعل معها، لتصبح كل رسالة إعلامية مصممة لشخص واحد، حتى وإن وصلت إلى ملايين الأشخاص في الوقت نفسه، وهو تحول سيجعل فهم البيانات وتحليلها مهارة لا تقل أهمية عن الكتابة والتحرير والإنتاج.

ولعل أبرز ما تكشفه المؤشرات العالمية أن هذا التحول لم يعد مستقبلاً بعيداً، فقد أظهر تقرير الأخبار الرقمية 2025 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، والذي شمل قرابة مئة ألف مشارك في ثمانٍ وأربعين دولة، أن المنصات الاجتماعية والفيديو أصبحت المصدر الأول للأخبار لدى فئات واسعة من الشباب، بينما يتوسع الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات عاماً بعد عام، كما أوضح التقرير أن الثقة في الأخبار لا تتجاوز نحو 40 % على المستوى العالمي، في حين يرى 58 % من المشاركين أن التمييز بين الحقيقة والمعلومات المضللة أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وهو مؤشر يكشف أن التحدي الحقيقي في المستقبل لن يكون إنتاج المحتوى، بل المحافظة على المصداقية.

وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يحملها إعلامي عام 2040 إلينا، فالتقنيات ستتغير بسرعة لم يشهدها التاريخ من قبل، والمنصات ستظهر وتختفي، والأدوات ستصبح أكثر ذكاءً، لكن القيمة الحقيقية ستظل فيمن يستطيع تحويل هذه التقنيات إلى محتوى يبني الثقة، ويصنع الوعي، ويترك أثراً حقيقياً في حياة الناس، لأن المستقبل لن يكون لمن يسبق الآخرين في استخدام التقنية، بل لمن يسبقهم في فهم الإنسان.

جريدة الرياض | الإعلام في 2040.. استشراف للمستقبل (1)

الحج لا يمكن أن يقدّر بثمن!

في كل عام، ومع اقتراب موسم الحج، تتكرر في بعض وسائل الإعلام الأجنبية ومراكز التحليل الاقتصادي تساؤلات تبدو منطقية من منظور الأرقام المجردة، لكنها تعجز عن فهم حقيقة المشهد، إذ تنظر إلى الحج من زاوية الربح والخسارة والعائد المالي، وتحاول احتساب ما تنفقه المملكة العربية السعودية على خدمة ضيوف الرحمن مقابل ما يمكن أن تحققه من عوائد اقتصادية، وكأن أعظم رحلة إيمانية في العالم يمكن اختزالها في معادلة مالية أو ميزان محاسبي. غير أن من يعرف المملكة، ويدرك رسالتها التاريخية والدينية، يعلم أن خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما لم تكن يومًا مشروعًا استثماريًا، بل شرفًا ومسؤولية وأمانة تتوارثها القيادة السعودية جيلاً بعد جيل.

ملوك هذه البلاد يحملون لقب “خادم الحرمين الشريفين”، حيث أن خدمة الحجاج والمعتمرين جزءًا أصيلًا من هوية الدولة ورسالتها، ولهذا لا يمكن قراءة أرقام الإنفاق الضخمة على الحج بمعايير الربح والخسارة التقليدية. فقد أشارت تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته قناة العربية، إلى أن تكلفة التوسعة السعودية الكبرى للمسجد الحرام تجاوزت ٣٥٠ مليار ريال، ولو اضفنا ما انفقته في المشاعر المقدسة من منى وعرفات ومزدلفة ومناطق أخرى لتجاوزت حاجز النص ترليون ريال، وهو رقم كفيل وحده بإظهار حجم الالتزام الذي تتعامل به المملكة مع خدمة ضيوف الرحمن، ولو كانت المسألة تجارية بحتة لما أقدمت أي دولة في العالم على استثمار بهذا الحجم من أجل توفير مزيد من الراحة والطمأنينة لملايين البشر الذين يفدون إلى مكة المكرمة أيامًا معدودة كل عام.

ولا تتوقف الصورة عند توسعة المسجد الحرام، فهناك منظومة هائلة من المشاريع العملاقة التي نفذتها المملكة خلال العقود الماضية وما تزال تتوسع فيها عامًا بعد عام، ومنها مشروع مسار مكة الذي سهّل إجراءات ملايين الحجاج قبل وصولهم إلى الأراضي المقدسة، وقطار المشاعر المقدسة الذي يعد أحد أكبر مشاريع النقل الموسمية في العالم، وجسر الجمرات متعدد الأدوار الذي أصبح أيقونة هندسية عالمية في إدارة الحشود، إضافة إلى شبكات الطرق والأنفاق الحديثة، ومشاريع التظليل والتبريد التي خففت من آثار درجات الحرارة المرتفعة، والمخيمات المطورة في المشاعر المقدسة، والمستشفيات والمراكز الصحية، ومشاريع المياه والكهرباء والتصريف، فضلًا عن المشاريع العملاقة التي تنفذها شركة كدانة للتنمية والتطوير والهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وهي استثمارات تتجاوز قيمتها عشرات بل ميات المليارات، وتُنفذ بهدف واحد هو خدمة الحاج وتيسير رحلته الإيمانية.

وحين ننظر إلى حجم الموارد البشرية التي تسخرها المملكة لخدمة الحج، ندرك أن الحديث عن الربح والخسارة يصبح أكثر بعدًا عن الواقع. فبحسب البيانات الرسمية لموسم حج 2025، شارك ما يقارب 468 ألف موظف ورجل أمن وممارس صحي ومتطوع ومختص في مختلف القطاعات لخدمة ضيوف الرحمن، أي ما يقترب من نصف مليون شخص سخرتهم الدولة لخدمة الحجاج، وتتكفل برواتبهم وتجهيزاتهم وإسكانهم وتشغيلهم طوال الموسم، في صورة تجسد المعنى الحقيقي للعناية بضيوف بيت الله الحرام.

ولا تقتصر الخدمات على البنية التحتية والموارد البشرية، بل تمتد إلى منظومة تقنية متقدمة جعلت من الحج أحد أكثر التجمعات البشرية استخدامًا للحلول الذكية في العالم، حيث وفرت المملكة تطبيقات رقمية متطورة، وخدمات اتصال عالية الكفاءة، ومنصات إرشادية متعددة اللغات، وتقنيات ذكاء اصطناعي لتحليل الحشود وإدارة الحركة وتحسين الخدمات، فضلًا عن بنية اتصالات متقدمة أسهمت في تمكين ملايين الحجاج من التواصل مع ذويهم والاستفادة من الخدمات الرقمية بكل سهولة ويسر.

وفي موازاة هذا الجهد الخدمي والتنظيمي، يبرز الدور الإعلامي السعودي بوصفه شريكًا رئيسيًا في نقل الصورة الحقيقية للعالم، فقد نجحت وزارة الإعلام والجهات التابعة لها، بالتكامل مع مختلف الجهات الحكومية، في بناء منظومة إعلامية احترافية توظف أحدث التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لخدمة الإعلاميين والصحفيين من مختلف دول العالم، وتمكينهم من نقل المشهد بكل شفافية ومهنية. ولم يعد الإعلام السعودي يكتفي بنقل الحدث، بل أصبح ينقل القصة الإنسانية والروحانية الكاملة، ويُظهر حجم الجهود الاستثنائية التي تبذلها الدولة في خدمة الحجاج، كما يبرز المشاعر الإيمانية التي يعيشها ضيوف الرحمن في أطهر بقاع الأرض.

وفي وقت تواجه فيه اقتصادات العالم تحديات مالية وضغوطًا متزايدة، تواصل المملكة ضخ الاستثمارات العملاقة في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة دون تردد، لأنها تدرك أن خدمة بيت الله الحرام لا تُقاس بالأرباح المالية، ولا تُحسب بلغة المكاسب والخسائر، إنها رسالة إيمانية وإنسانية وحضارية تتجاوز كل الأرقام، وتجسد حرص القيادة الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين على بذل كل ما يمكن لخدمة ضيوف الرحمن. ولهذا يمكن القول بكل ثقة إن الحج، بالنسبة للمملكة العربية السعودية، ليس مشروعًا اقتصاديًا يبحث عن العائد، بل رسالة عظيمة لا تُقدّر بثمن، وشرف تتوارثه الأجيال، وعطاء يمتد أثره إلى قلوب المسلمين.

الحج لا يمكن أن يقدّر بثمن | جمعية الإعلاميين السعوديين ـ إعلام

مشاركتي في المنتدى السعودي للإعلام 2026

الأسلحة الخمسة للإعلامي الناجح

ليست قوة الإعلامي تتمثل فقط في إمكانياته الإعلامية، أو تمكّنه من الحديث، أو تملّكه أدوات من كاميرات احترافية أو منصات مميزة، ولا حتى عدد متابعين بالملايين، بل هو مزيج متكامل من خمسة عناصر لا غنى لأي إعلامي طامح عنها، تتجاوز الأدوات إلى الجوهر الحقيقي للمهنة: الإنسان وعلاقاته، حسّه الإعلامي ووعيه، اطلاعه ومعرفته، أدواته ومهاراته التقنية، ثم حضوره الطاغي وكاريزمته. تلك العناصر الخمسة هي التي تصنع من الإعلامي صوتًا لا يُنسى وصورة لا تُمحى، وتجعله في مقدمة من يصنعون الرأي ويؤثرون في الوعي.

أول هذه الأسلحة هو بناء العلاقات والتواصل الحقيقي مع الناس، وحضور الفعاليات والملتقيات الإعلامية والثقافية. الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأخبار، بل هو صانع حضور، ووسيط تأثير، في دراسة صادرة عن معهد “Reuters Institute” بجامعة أكسفورد عام 2023، وُجد أن 74% من الإعلاميين الذين يمتلكون شبكات علاقات واسعة وفعّالة تمكنوا من الوصول للمعلومة أسرع من غيرهم، وكان محتواهم أكثر ثقة وانتشارًا. 

تشير بيانات هيئة الإعلام المرئي والمسموع التابعة لوزارة الإعلام إلى أن 61% من الإعلاميين المحليين يعتمدون على حضور الفعاليات لبناء شبكات مهنية تُثري محتواهم وتعزز من مصداقيتهم؛ فالحضور هو بوابة التأثير، ولا يمكن للإعلامي أن يكون ناجحًا وهو بعيد عن الناس وهمومهم وسياقاتهم.

السلاح الثاني هو الحسّ الإعلامي، وهو مهارة تتكون وتتطور بالشغف، فالإعلامي الناجح لا ينتظر القصة، بل يستشعرها، يتلمسها، ويراها حيث لا يراها الآخرون، هو من يرى في الموقف العادي مادة خبرية، وفي الحكاية اليومية قضية رأي عام، فالإعلامي الألماني الشهير “كلاوس كلينغه” يقول: الحس الإعلامي هو ألا تكتفي بما يقال، بل أن تطرح السؤال الذي لم يُطرح بعد؛ وفي دراسة أجرتها شركة “Nielsen” العالمية لتحليل السلوك الإعلامي عام 2024، تبين أن المحتوى الذي يصدر عن إعلاميين لديهم شغف وتفاعل حقيقي مع قصصهم يحقق تفاعلًا يزيد بنسبة 46% عن المحتوى الروتيني الجامد.

أما السلاح الثالث، فهو الاطلاع المستمر والمتابعة الدقيقة للأحداث، فالإعلامي الناجح لا يعيش على ما يعرفه اليوم، بل على ما يتعلمه كل يوم، فبحسب تقرير منظمة اليونسكو حول مستقبل الإعلام عام 2024، فإن الإعلامي يحتاج لتحديث معرفته بمعدل 3 ساعات قراءة أسبوعيًا على الأقل، لمواكبة تسارع الأحداث والحقائق والتقنيات.

السلاح الرابع يتمثل في المهارات التقنية، فلم يعد الإعلام مقالة تُنشر فقط، أو مقابلة تُذاع، بل هو فن إنتاج بصري بمهارات تحرير رقمي، وبتوظيف للذكاء الاصطناعي، ومعرفة بتحليل البيانات، وسلوك الجمهور؛ فالإعلام الرقمي بات هو السائد، وأكثر من 70% من مستخدمي الإنترنت في السعودية (بحسب تقرير هيئة الاتصالات 2024) يعتمدون على الشبكات الاجتماعية كمصدر أول للأخبار، ومن دون مهارات في التصوير، التصميم، المونتاج، والتعامل مع منصات النشر، يبقى الإعلامي أسيرًا لأفكاره دون قدرة على إيصالها. 

الإعلامي الناجح اليوم لا يحتاج فقط أن يقول شيئًا مهمًا، بل أن يقوله بشكل جذاب، تفاعلي، وبتقنيات معاصرة، فشركة “HubSpot” الأمريكية المتخصصة في تحليل التسويق الرقمي أشارت في تقرير حديث إلى أن المنشورات التي تتضمن عناصر مرئية متقنة تحقق تفاعلًا أكثر بنسبة 94% من المنشورات النصية فقط.

وأخيرًا، فإن السلاح الخامس، وهو ما لا يُشترى ولا يُعلّم بسهولة الكاريزما الإعلامية، تلك القوة الناعمة التي تجعل من الإعلامي حضورًا لا يُنسى، وحديثًا يُتداول، وصوتًا ينتظره الناس، الكاريزما ليست فقط في نبرة الصوت أو ترتيب الكلمات، بل في صدق المشاعر، ووضوح الرسالة، وقدرة الشخص على أن يكون هو ذاته أمام الناس دون تصنع. 

دراسة أعدها معهد “Harvard Kennedy School” عام 2023 أكدت أن الإعلاميين الذين يظهرون بشخصياتهم الحقيقية ويُبدون تعاطفًا حقيقيًا مع قضايا الناس يحظون بنسبة متابعة تتجاوز 35% أكثر من أولئك الذين يتعاملون مع الظهور الإعلامي كمهمة تقنية باردة.

خلاصة القول، الإعلامي الناجح لا يُقاس بعدد البرامج أو ساعات البث أو المقالات المنشورة فقط، بل بما يملكه من أدوات حقيقية للتأثير. وهي ليست أشياء تُكتسب دفعة واحدة، بل تُبنى وتتراكم عبر التجربة والعلاقات، عبر الحس والمعرفة، وعبر التفاعل والتقنية، وعبر الحضور والكاريزما. إنها منظومة متكاملة، إن غاب أحد عناصرها، اختل التوازن.

وفي زمن السرعة، وضجيج المحتوى، وازدحام المنصات، لم يعد يكفي أن يكون للإعلامي صوت، بل يجب أن يكون له صدى، والسلاح الحقيقي الذي يجعله مؤثرًا هو ما يحمله من قيم، وشغف، ومعرفة، وحضور، وليس فقط ما يحمله من أدوات.

الاسلحة الخمسة للإعلامي الناجح | جمعية الإعلاميين السعوديين ـ إعلام

حينما تصبح المعلومة سلعة

في هذا الزمن التقني المتسارع، تحوّل الإعلا(م) إلى إعلا(ن)، وأصبحت المعلومة تُقاس بعدد المشاهدات، وتُسعّر بعدد الإعجابات، وتُختزل في أجزاء من الثانية على شاشات تعج بالمحتوى الزائف والموجّه، هذا واقع يعيشه العالم، ويمتد أثره إلى كل فرد يتلقى، أو ينقل، أو يستهلك المحتوى يوميًا، طوعًا أو قسرًا.

الإعلام، الذي وُلد ذات يوم ليكون سلطة رابعة، يحمل في طيّاته مسؤولية أخلاقية عظيمة، ونقل الحقيقة، وتنوير المجتمع، ومساءلة الجهات، إلا أن التحوّل الرقمي الجارف غيّر قواعد اللعبة، فالمنصات الرقمية لم تعد فقط وسيطًا بين المعلومة والمتلقي، بل أصبحت فاعلًا رئيسا يعيد تشكيل المعلومة وفق خوارزميات اقتصادية ومصالح تجارية، فالخبر المهم لم يعد يُنشر لأنه ليس جذابًا بما يكفي، فالأولوية لمحتوى “يثير التفاعل” حتى لو كان مفرغًا من القيمة الصحفية أو مختلطًا بالمبالغات ولن أقول الكذبات.

في استطلاع أجرته رويترز ضمن تقرير “Reuters Digital News Report 2023″، تبين أن حوالي 56 % من المستخدمين العالميين لا يثقون بالمحتوى الإخباري على المنصات الرقمية، وأن أكثر من 38 % يتجنبون متابعة الأخبار بشكل متعمّد لما تسببه من ضوضاء رقمية وإرهاق معرفي.

التحول إلى إعلام خاضع للعرض والطلب، أفرز تحديات أخلاقية تتطلب وقفة تأمل. على سبيل المثال، أصبح من الطبيعي أن تُعاد صياغة العناوين بطريقة مضللة لجذب النقرات، حتى وإن تلاعبت بالسياق، وفي كثير من الأحيان، تُنشر المعلومات قبل التحقق منها لمجرد كسب السبق، بل وصل الأمر إلى دفع الأموال لمنصات معينة لضمان الانتشار، دون أن يكون هناك خط تحرير واضح أو مسؤولية تحريرية، هذا التلاعب الخفي لا يراه المتلقي العادي، لكنه يتسلل إلى وعيه، مكونًا رأيًا عامًا مبنيًا على تصورات غير مكتملة أو منحازة.

إعلامنا السعودي كشهادة حق إعلام رصين، ووزارة الإعلام والجهات الرقابية تقوم بأدوار مميزة، ولكن مع تنامي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى والأخبار، والتحليلات، وتوقعات الرأي العام، أصبح لزامًا أن يواكبه حوكمة صارمة للمحتوى، كي لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتسويق أجندات معينة أو تحريف الحقائق باستخدام “البيانات الكبرى” ذات الانحيازات البرمجية.

ولعل أبرز الشواهد على هذا التحدي ما كشفته دراسة صادرة عن جامعة ستانفورد عام 2023، حول استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاج المحتوى الإخباري، حيث تبين أن 21 % من المقالات الإخبارية التي أُنتجت آليًا تحوي أخطاءً جوهرية أو تحريفًا للحقائق، ومع الانتشار الواسع للمحتوى القصير والفوري، يصبح تصحيح الخطأ أصعب، وغالبًا لا يصل التوضيح أو التصويب إلى الجمهور ذاته الذي استهلك الخطأ.

إن ما يفاقم المشكلة هو صعوبة معرفة مصدر المعلومة في البيئة الرقمية، حيث يندر وجود توقيع صحفي، وتضيع المسؤولية القانونية بين حسابات وهمية ومصادر غير موثوقة، وحتى المؤسسات الإعلامية ذات السمعة الجيدة بدأت تتعرض لضغوط اقتصادية تدفعها لتقديم ما “يُباع” لا ما “يُفيد”.

وهذا ما نبهت له منظمة اليونسكو في تقريرها “الإعلام من أجل الديمقراطية” الصادر عام 2022، والذي أشار إلى أن 77 % من غرف الأخبار حول العالم تعاني من تراجع التمويل، مما يُضعف استقلاليتها التحريرية ويزيد اعتمادها على الإعلانات والمنصات التقنية.

في ظل هذه المعطيات، “المعلومة” رغم كونها متاحة على نطاق واسع، إلا أنها صارت تُباع وتُشترى، ويُعاد تشكيلها وفق مزاج السوق والطلب الجماهيري، وليس وفق المعايير المهنية، ويقع على عاتق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية أن يقاوموا هذا الانجراف، وأن يضعوا “أخلاقيات المهنة” قبل مؤشرات التفاعل، وأن يصنعوا المحتوى الذي يعيد للخبر صدقه، وللصحافة قيمتها.

وحينما تعود المعلومة إلى مكانها الطبيعي، كوسيلة لفهم العالم لا لتضليله، وأداة للتنوير لا للتحريض، عندها فقط يمكن القول إن الإعلام ما زال يؤدي دوره، رغم كل ما يحيط به من تحديات تقنية ومالية وأخلاقية.

جريدة الرياض | حينما تصبح المعلومة سلعة

إعلام “عاضٍ ثوبه”

بكل سلاسة وبساطة، كان إعلامنا زمان يعيش بوقاره، لا يستعجل ولا يركض خلف الأحداث فقبل ربع قرنٍ من الآن، كانت الصحف الورقية تمثل النشرة اليومية لكل بيت، وكانت الجريدة وقتها لا تعني مجرد أوراق مطبوعة، بل رفيق يومي تتنقل بين صفحاته بحب وشغف، تتوقف عند الأخبار، تبتسم عند الكاريكاتير، وتستغرق في أعمدة الرأي وكأنك تستمع لصوت حكيم يسرد لك خلاصة تجربته.

كان الناس يتناوبون على قراءة الصحف، الأب يبدأ، ثم الأبناء، وربما الجيران أيضًا، وكنّا نتسمّر عند القناة الأولى، وأحيانًا ننتقل للقناة الثانية، ونتابعها بنهم، فلا وجود لإشعارات عاجلة ولا تحديثات لحظية؛ الخبر يأخذ وقته ليُروى بتفاصيله، وكأن الإعلام حينها يحترم عقل المتلقي، ويمنحه المساحة ليفكر ويحلل ويعيش الخبر ببطء، حتى نشرات الأخبار في التلفزيون كانت مقدسة، ينتظرها الجميع في موعدها، لم يكن هناك تشتت ولا زخم معلوماتي، بل كان الإعلام يؤدي رسالته بإيقاع هادئ، يشبه خطوات القُدامى في مشيهم، ثابتة وواثقة.

أما الإذاعات فكان التنقل بين الموجات بحثًا عن برنامج مفضل كان جزءًا من المتعة، ليس بحثًا عن الجديد بقدر ما هو ارتباط بعادة يومية تبعث على الطمأنينة، “هنا الرياض” و”هنا جدة” و”برنامج إذاعة القرآن الكريم” و”سهرة الخميس”، وبأصوات مألوفة رفيقة للذاكرة، لا تُنسى، وحتى البرامج الحوارية كانت تدار برزانة، فالحوار يُحترم، والضيف يُقدَّر، والمعلومة تُمنح حقها.

اليوم، تبدل المشهد كليًا، أصبح الإعلام يركض بلا هوادة، يلهث وراء الجديد في كل لحظة، لا ينتظر المتلقي النشرة المسائية، ولا نشرة الصحف الصباحية، بل الأخبار تتدفق لحظياً عبر هواتفنا، إشعارات متواصلة لا تعرف نهاية. بحسب تقرير “We Are Social” يقضي السعوديون يومياً ما يقارب 9 ساعات و5 دقائق على الإنترنت، منها 3 ساعات كاملة على الشبكات الاجتماعية، مما جعل المتلقي يعيش في حالة من التخمة الإعلامية، لا يكاد يستوعب خبرًا حتى يطارده آخر.

عدد الصحف الورقية في السعودية انخفض كمًا وكيفًا، ومعظمها أصبح يعتمد على النسخ الإلكترونية لتقليل التكاليف ومجاراة الجمهور الرقمي، وحتى القنوات التلفزيونية التي كانت رمزًا للتواصل، تراجعت أمام زحف المنصات الرقمية وخدمات البث المباشر، فوفق إحصائية لهيئة الإعلام السعودية، 72 % من المشاهدين السعوديين يفضلون متابعة المحتوى عبر الإنترنت بدلاً من التلفزيون التقليدي.

لا شك أن هذا التحول الرقمي جاء ضرورة، لكنه حمل معه تحديات كبرى، سرعة تدفق الأخبار قللت من جودة المحتوى، فصار المهم هو السبق لا الدقة، فتحوّل الصحفي إلى صانع محتوى يبحث عن التفاعل بدلاً من البحث عن الحقيقة. حتى مصطلح “الإعلامي” اتسع ليشمل المؤثرين ومنشئي المحتوى، متجاوزًا في أحيان كثيرة معايير المهنية والموثوقية.

حالة إعلامنا اليوم ركض متسارع وراء كل مستجد، لا وقت لديها لتقف، تتأمل، أو تتأنى، ومع هذا الركض، يضيع أحياناً جوهر الرسالة، وتتحول المعلومة إلى مجرد عنوان صاخب بلا مضمون، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف نوازن بين سرعة الوصول وجودة المعلومة؟ كيف نحفظ للإعلام وقاره وسط هذا الزخم؟

لكن بين هذا وذاك، يبقى الحنين للماضي الجميل حاضرًا، ذكريات الصحف الورقية، صوت المذيعين المخضرمين، وانتظار البرامج في أوقاتها المحددة، كل هذه التفاصيل الصغيرة صنعت وعينا الإعلامي القديم، وهي التي تجعلنا نرفع حاجب الدهشة أحياناً أمام سرعة إعلام اليوم.

ربما الحل ليس في العودة الكاملة للماضي، بل في استلهام قيمه: التروي، الدقة، احترام عقل المتلقي، وتقديم محتوى يصنع فرقًا حقيقيًا. فكما قيل: “مو كل برقٍ يلمع معه مطر، ولا كل ضجيجٍ وراه خبر”.

جريدة الرياض | إعلام “عاضٍ ثوبه”

البودكاست أعاد لنا علاقتنا بالحكاية والصوت

خلال سنوات قليلة فقط، أصبح البودكاست جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية التي يصعب تجاوزها؛ فلم يعد مجرد حوارات جادة أو لقاءات تفاعلية مطولة، بل تحوّل إلى مساحة قريبة تشبه المجالس السعودية، حيث تختلط الجدية بخفة الدم، والفكر بالبساطة، وتصبح التجربة الصوتية امتدادًا لحياة السعودي اليومية بكل ما فيها من تساؤلات وهموم وضحكات ومواقف.

انطلق البودكاست عالميًا كوسيلة لكسر احتكار الإعلام التقليدي، لكن في السعودية حمل نكهة خاصة؛ هنا لا يجلس المستمع متوترًا أمام حوار ثقيل، بل يجد نفسه مستمعًا لحكاية تشبه مجلسًا عائليًا أو سمرًا بين أصدقاء؛ هذا ما يفسّر انجذاب السعوديين إلى هذا النوع من البودكاست، إذ يجدون فيه أصواتًا تشبههم ولغة تلامس يومياتهم.

أحد أبرز الأمثلة في هذا المشهد هو بودكاست “سقراط” الذي تقدّمه شركة ثمانية، والذي استطاع خلال سنوات قليلة أن يحجز لنفسه مكانة استثنائية في قلوب وعقول السعوديين؛ وكذلك “فنجان” وأيضًا “أبجورة” و”ترند” و”كنبة” وغيرها من برامج البودكاست الرائعة التي تطرح قضايا عامة وموضوعات مجتمعية شيّقة ومفيدة ورائعة.

ومما يميزها أنها لا تقع في فخ الجدية المفرطة، بل تقدّم نقاشات تنساب بسلاسة، وكأنك تجلس مع ضيف في مجلس وتستمع إليه وهو يروي قصة أو يشرح مشروعًا بلغة بسيطة وشخصية، هذا الأسلوب جعل البودكاست من أكثر القنوات الاتصالية تأثيرًا ومتابعة.

الإحصائيات المحلية والعالمية تكشف حجم التحول؛ فقد أظهرت دراسة أصدرتها “ميديا مونيتور” السعودية في 2024 أن نسبة الاستماع للبودكاست ارتفعت بنسبة 57 ٪ خلال ثلاث سنوات فقط، وأصبح السعوديون من أكثر الشعوب العربية تعلقًا بهذا النوع من المحتوى.

إقليميًا، أفادت بيانات “سبوتيفاي الشرق الأوسط” أن ساعات الاستماع للبودكاست زادت في الخليج بنسبة 35 ٪ خلال عامين، مع تصدّر السعودية في معدلات الاستماع والمشاركة. عالميًا، بحسب “بودكاست إنسايتس”، هناك أكثر من 700 مليون حلقة نشرت حتى عام 2024، فيما تؤكد “إديسون ريسيرش” أن 74 ٪ من المستمعين يشعرون أن مقدمي البرامج باتوا جزءًا من حياتهم اليومية.

ما يميّز تجربة البودكاست السعودي أنه لا يكتفي بإعطاء المعلومة، بل ينسج حولها حالة من القرب والحميمية. المستمع لا يشعر أنه يتلقى درسًا أو يشاهد مؤتمرًا، بل يعيش القصة، يسمع الضحكة، يتوقف عند التعليق الذكي، ويخرج في النهاية بشيء من المعرفة مخلوط بمتعة أصيلة.

التجارب الدولية مثل “ذا ديلي” من نيويورك تايمز و”هاو آي بيلت ذيس” لعبت دورًا في إلهام صناع البودكاست هنا، لكن السعوديين أعادوا تشكيل هذا الفن ليعبّر عن مزاجهم وخصوصيتهم الثقافية.

اليوم، يتجاوز تأثير البودكاست مجرد الترفيه أو التعليم، بل يدخل في تفاصيل حياة الناس، من قراراتهم اليومية إلى اهتماماتهم الثقافية وحتى نقاشاتهم داخل البيوت والمجالس.

وقد بدأت شركات ومؤسسات سعودية تدرك هذا التأثير، فصارت تنتج برامج بودكاست خاصة بها، بينما أطلقت الجامعات قنوات معرفية موجهة للطلاب والمجتمع.

في النهاية، يبدو أن البودكاست في السعودية لم يكن مجرد موجة عابرة، بل هو تعبير صادق عن رغبة السعوديين في الإصغاء لبعضهم البعض في زمن يتسارع فيه كل شيء.

ومع تطوّر الأدوات التقنية ودخول الذكاء الاصطناعي لتحسين تجربة الإنتاج والتحرير، من المتوقع أن نشهد مرحلة جديدة من الإبداع الصوتي تجعل من السعودية لاعبًا محوريًا في مشهد البودكاست الإقليمي وربما العالمي.

البودكاست هنا لا يغيّر فقط طريقة استهلاكنا للمحتوى، بل يعيد رسم علاقتنا بالحكاية والصوت، كما لو أننا عدنا إلى أصل التواصل البشري: حكاية تُروى في مجلس، ومَن حولك ينصتون بشغف.

جريدة الرياض | البودكاست أعاد لنا علاقتنا بالحكاية والصوت