في كثير من المناسبات الاجتماعية والملتقيات العامة نسمع مقدم الحفل يسبق أسماء بعض الحضور بعبارة “الإعلامي فلان” أو “الإعلامية فلانة”، وأحيانًا يتحول هذا الوصف إلى لقب ملازم لصاحبه يقدَّم به في كل مناسبة، بينما يحرص آخرون على استخدامه في حساباتهم الشخصية أو بطاقاتهم التعريفية لما يحمله من مكانة اجتماعية وحفاوة وتقدير؛ لكن نعود لسؤال المقال من هو الإعلامي الحقيقي؟
هل الإعلامي هو المحرر الصحفي فقط الذي يبحث عن المعلومة وينشرها للناس؟ أم أنه يشمل المذيع والمصور والمعد والمنتج؟ وهل يمتد المفهوم ليشمل جميع العاملين في المؤسسات الإعلامية؟ أم أنه يتسع أكثر ليضم كل من يكتب أو ينشر محتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؟ وهل يكفي الحصول على مؤهل أكاديمي في الإعلام لاكتساب هذا اللقب، أم أن الممارسة المهنية هي الفيصل الحقيقي؟
أتذكر جيدًا أنه خلال عملي في وزارة الإعلام مستشارًا لمعالي الوزير ومتحدثًا رسميًا، طُرح هذا السؤال للنقاش والدراسة، وطُلب مني مراجعة الموضوع والإجابة عنه بشكل علمي ومهني، وبعد الاطلاع على تجارب دول عديدة ومراجعة الأدبيات المهنية والتنظيمية، اتضح أن الإشكالية ليست محلية فحسب، بل تمتد إلى معظم دول الشرق الأوسط والوطن العربي.
فمصطلح “الإعلامي” يشبه إلى حد كبير مصطلح “المثقف”، وغيرهما التي تحمل دلالات واسعة وفضفاضة يصعب وضع حدود دقيقة لها، بخلاف مهن واضحة المعالم مثل: الطبيب أو المعلم أو المهندس أو الطيار، حيث يمكن تحديد المهنة والمهام والمسؤوليات بدقة.
وعند النظر إلى التجارب الغربية، خصوصًا في الولايات المتحدة وبريطانيا، نجد أن استخدام مصطلح “Media” يأتي بوصفه مظلة عامة تضم عشرات التخصصات، بينما يُعرَّف الفرد عادةً بمهنته الإعلامية الدقيقة، فيقال كاتب، أو محرر، أو مراسل، أو مصور، أو منتج، أو مخرج، أو مقدم برامج، أو صانع محتوى، أو باحث إعلامي، فالهوية المهنية هناك ترتبط بالوظيفة التي يمارسها الشخص فعليًا أكثر من ارتباطها بلقب عام قد لا يعكس طبيعة عمله الحقيقية.
وتزداد أهمية هذا النقاش اليوم مع التحولات الرقمية الهائلة التي يشهدها العالم، فوفقًا لتقرير “Digital 2025” الصادر عن DataReportal، تجاوز عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي عالميًا 5.3 مليارات مستخدم، فيما تشير الهيئة العامة للإحصاء وتقارير هيئة الإعلام المرئي والمسموع سابقًا إلى أن السعودية تُعد من أعلى دول العالم في معدلات استخدام المنصات الرقمية. ومع هذا الاتساع الهائل في إنتاج المحتوى، أصبح الملايين ينشرون الأخبار والآراء والمقاطع المرئية يوميًا، فهل يعني ذلك أن الجميع إعلاميون!؟ الإجابة ليست بهذه البساطة.
فالإعلامي الحقيقي لا يُعرَّف فقط بالأداة التي يستخدمها، بل بالدور الذي يؤديه، وبالمعايير المهنية التي يلتزم بها، وبالمسؤولية التي يتحملها تجاه الجمهور، فالمهنة الإعلامية ترتبط بالتحقق من المعلومات، والالتزام بالأخلاقيات المهنية، وإدراك أثر الرسالة الإعلامية على المجتمع، وتشير دراسة لمعهد رويترز للأخبار الرقمية إلى أن الثقة بالمحتوى الإعلامي أصبحت أحد أكبر التحديات عالميًا، ما يضاعف أهمية التخصص والاحترافية في العمل الإعلامي.
ومن هنا، كنت من المؤيدين لفكرة أن تعكس البطاقة المهنية الدور الفعلي الذي يمارسه صاحبها، بحيث لا تكون بطاقة عامة تحمل وصف “إعلامي”، بل بطاقة تحدد التخصص بدقة، كأن يكتب عليها محرر أو مصور أو منتج أو مراسل أو مذيع أو كاتب محتوى أو باحث إعلامي، فذلك أكثر وضوحًا ومهنية، ويسهم في تعزيز هوية التخصصات الإعلامية المختلفة وإبراز قيمتها الحقيقية.
ويبقى الإعلام في النهاية مظلة واسعة تجمع عشرات المهن والتخصصات، أما الإعلامي الحقيقي فهو من يمارس دورًا إعلاميًا واضحًا وفق معايير مهنية معروفة، ويقدم قيمة معرفية أو خبرية أو توعوية للمجتمع؛ لذلك ربما يكون السؤال الأدق اليوم ليس “من هو الإعلامي؟” بل “ما الدور الإعلامي الذي تمارسه؟”، فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تمنح كل صاحب مهنة إعلامية هويته.

أضف تعليق