إذا كانت التقنية ستعيد تشكيل الإعلام، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في امتلاك أحدث المنصات أو أسرع الشبكات، بل في المحافظة على ثقة الإنسان، فبحلول عام 2040 سيصبح إنتاج المحتوى عملية شبه فورية، وسيتمكن أي شخص، أو حتى أي نظام ذكي، من إنتاج آلاف الأخبار، والتقارير، والمقاطع المرئية، والبودكاست، والرسوم التفاعلية خلال دقائق، وستختفي الفجوة بين المحترف والهواة في جانب الإنتاج، بينما ستتسع الفجوة في جانب المصداقية، لأن الجمهور لن يبحث عمن ينشر أولاً، بل عمن يستطيع أن يقدم الحقيقة وسط هذا الكم الهائل من المعلومات.
ولهذا ستتغير مهنة الإعلامي بصورة جذرية، فلن يكون مجرد كاتب أو مذيع أو محرر، بل سيصبح محللاً للبيانات، ومدققاً للمعلومات، وخبيراً في الذكاء الاصطناعي، وقادراً على فهم السلوك البشري، وإدارة فرق متعددة التخصصات تجمع بين الإعلام، والتقنية، والعلوم السلوكية، والأمن السيبراني، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وهي مهارات بدأت اليوم بالظهور، لكنها ستكون من أساسيات العمل الإعلامي خلال العقد المقبل، لأن التقنية ستنتج المحتوى، بينما سيبقى الإنسان مسؤولاً عن المعنى، والسياق، والقيم.
وفي الوقت نفسه، ستتغير المؤسسات الإعلامية نفسها، فغرف الأخبار التقليدية ستتحول إلى منصات ذكية تعمل على مدار الساعة، وتعتمد على التحليلات التنبؤية في اتخاذ القرار، وتراقب تفاعل الجمهور لحظة بلحظة، وتعدل الرسائل الإعلامية بصورة فورية، وتشير Gartner إلى أن الاعتماد على التحليلات التنبؤية والذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات سيواصل نموه خلال السنوات المقبلة، بينما تؤكد PwC أن الإعلانات الرقمية ستستحوذ على النسبة الأكبر من الإنفاق الإعلامي العالمي، وهو ما يعني أن البيانات ستصبح المحرك الرئيس لاستدامة المؤسسات الإعلامية، وليس حجم جمهورها فقط.
أما الجمهور نفسه فلن يكون كما نعرفه اليوم، فقد أظهر تقرير الأخبار الرقمية 2025 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة أن المنصات الاجتماعية، ومنصات الفيديو، وصناع المحتوى المستقلين، أصبحوا ينافسون المؤسسات الإعلامية التقليدية على ثقة الجمهور ووقته، كما يتزايد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، خصوصاً بين الفئات الأصغر سناً، وهذا يعني أن الرسائل الإعلامية الجادة لن تختفي، لكنها ستتخلى عن كثير من قوالبها التقليدية، وستنتقل إلى بيئات أكثر قرباً من الناس، مثل: البودكاست، والألعاب الإلكترونية، والمحتوى التفاعلي، والتجارب الرقمية، لأن المستقبل سيكافئ من يعرف كيف يقدم المعرفة بالطريقة التي يفضلها الجمهور.
وفي المملكة تبدو ملامح هذا المستقبل أكثر وضوحاً، فقد أسهمت الاستثمارات المتسارعة في البنية التحتية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، في بناء بيئة مهيأة لقيادة التحول الإعلامي، وتشير بيانات هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية إلى أن نسبة انتشار الإنترنت في المملكة تجاوزت 99 % من السكان، بينما تعد المملكة من بين أعلى دول العالم في انتشار الهواتف الذكية، وهو ما يمنح إعلامنا فرصة استثنائية لتطوير نماذج جديدة في الاتصال تعتمد على الابتكار، والتفاعل، وتحليل البيانات، إلى جانب المحافظة على الهوية الوطنية، والقيم، والموثوقية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء اقتصاد رقمي ومجتمع معرفي متقدم.
وربما تكون أكبر فرصة أمام الإعلام السعودي أنه لا يبدأ من نقطة الصفر، بل ينطلق في مرحلة يشهد فيها العالم إعادة تعريف شاملة للإعلام، وهو ما يتيح له تجاوز كثير من النماذج التقليدية، وبناء تجربة حديثة تستفيد من التقنيات الناشئة منذ بدايتها، وتوازن بين التطور التقني، والمسؤولية المهنية، والرسالة الوطنية، ليكون شريكاً في صناعة الوعي، ودعم التنمية، وتعزيز المكانة الدولية للمملكة.
وفي النهاية، لن يكون الإعلام الأقوى في عام 2040 هو من يمتلك أكبر عدد من المنصات، ولا أحدث الاستوديوهات، ولا أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تطوراً، بل من يستطيع أن يحافظ على ثقة الإنسان في زمن تتنافس فيه ملايين الرسائل كل دقيقة، فالتقنيات ستتغير، والمنصات ستولد وتموت، والمهن ستختفي وتظهر أخرى، لكن الإعلام الحقيقي سيبقى هو القادر على حماية الوعي، وتحويل المعرفة إلى أثر، وبناء الثقة التي ستظل، مهما تغير الزمن، رأس المال الحقيقي لكل مؤسسة إعلامية، وكل إعلامي يسعى إلى صناعة تأثير يدوم.
أضف تعليق